-
℃ 11 تركيا
-
29 أغسطس 2025
د. أميرة فؤاد النحال تكتب: استراتيجية الاحتلال في تصحير التعليم الفلسطيني واغتيال نخبه الأكاديمية
د. أميرة فؤاد النحال تكتب: استراتيجية الاحتلال في تصحير التعليم الفلسطيني واغتيال نخبه الأكاديمية
-
29 أغسطس 2025, 5:07:04 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
د. أميرة فؤاد النحال تكتب: استراتيجية الاحتلال في تصحير التعليم الفلسطيني واغتيال نخبه الأكاديمية
لم يعد العدوان الصهيوني على غزّة مجرّد حرب عسكرية أو حصار خانق، بل تحوّل إلى مشروع إبادة معرفية يستهدف البنية التحتية للعقل الفلسطيني قبل البنية التحتية للحجر، فمنذ السابع من أكتوبر أخذت آلة الاحتلال في تنفيذ استراتيجية تصحير التعليم عبر قصف المدارس والجامعات، واغتيال النخب الأكاديمية، وتحويل مقاعد الدرس إلى أطلال، ومختبرات البحث إلى رماد، إنّها حرب على ذاكرة الوعي، تُدار بأدوات القصف والقتل والاعتقال، لكنها أبعد من ذلك بكثير: إنها محاولة لاقتلاع الفلسطيني من حقّه في إنتاج المعرفة، وتدمير المسار الطبيعي لتوارث العلم بين الأجيال.
الرواية الفلسطينية تكشف أن هذه الجرائم ليست خسائر جانبية كما يدّعي الاحتلال، بل جريمة مقصودة لإطفاء شعلة التعليم التي ظلّت أحد أعمدة صمود المجتمع الفلسطيني، فالمجازر بحق الطلبة والمعلمين (أكثر من 18 ألف شهيد طالب، وقرابة ألف من الكوادر التعليمية) ليست أرقاماً عابرة، بل دلائل على مخطط يرمي إلى صناعة أمّية قسرية، وإلى اجتثاث الحاضنة البشرية للمعرفة والبحث والإبداع.
بهذا المعنى لا تُستهدف غزة فقط في أجسادها، بل في رأسمالها المعرفي؛ إذ يراد لها أن تفقد معلميها وأساتذتها وباحثيها، ليبقى المستقبل الفلسطيني معلّقاً بين أنقاض مدارس أُزيلت بالكامل، وجامعات أُفرغت من طلابها وهيئاتها التدريسية، وما يجري اليوم هو نسخة أخرى من النكبة، ولكن بصيغة مختلفة: نكبة معرفية، يُراد من خلالها إخماد الوعي وتفريغ فلسطين من طاقتها البشرية.
التعليم الفلسطيني جرى تحويله إلى ساحة صراع وجودي، تُخاض عليها معركة الوعي تماماً كما تُخاض معركة الأرض، ففي العقلية الصهيونية المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل خزان بشري يرفد المستقبل الفلسطيني بجيلٍ مثقفٍ قادر على المقاومة وإنتاج المعرفة، ولهذا تحوّل الطالب والمعلم والجامعة إلى أهداف أمنية تُدرج على خرائط الحرب، لا فرق فيها بين الصف الدراسي وموقع عسكري.
الأرقام التي تكشفها وزارة التربية والتعليم تؤكد هذه الحقيقة الصادمة: أكثر من 18.346 طالباً استُشهدوا في غزة وحدها منذ السابع من أكتوبر، بينما بلغ عدد الجرحى منهم ما يزيد عن 27.884 طالباً، وفي الضفة الغربية لم يكن المشهد مختلفاً؛ إذ استُشهد 143 طالباً وأُصيب نحو ألف، إضافة إلى اعتقال 740 آخرين، هذه ليست خسائر جانبية كما يروّج الاحتلال، بل جزء من معادلة الحرب على التعليم: قتل الطالب باعتباره مشروعاً لمستقبل وطني، واعتقاله باعتباره بذرة مقاومة معرفية يجب اقتلاعها من الجذور.
وبالمثل، تحوّل المعلم من مربٍّ للأجيال إلى هدف مصنّف أمنياً، فقد استُشهد أكثر من 970 معلّماً وإدارياً، وأُصيب أكثر من 4.533 بجروح متفاوتة في قطاع غزة والضفة الغربية، إنّ هذا الرقم لا يشي فقط بضخامة الفاجعة، بل يفضح استراتيجية الاحتلال في تفريغ البيئة التعليمية من حُرّاسها الطبيعيين، وتحويل قاعات الدرس إلى فراغٍ بلا معلم ولا قدوة، هنا يُصبح التعليم خط تماسّ لا يقل خطورة عن أي جبهة عسكرية، بل أشد لأنه يتعلّق بتوازنات المستقبل.
إنّ ما يجري في غزة لا يمكن اختزاله في تدمير مدارس أو تعطيل جامعات، بل هو جريمة أعمق يمكن توصيفها بـ "الإبادة المعرفية"، فالمجازر التي استهدفت الطلبة والمعلمين ليست إلا المرحلة الأولى من مخططٍ أشمل يقوم على تصفية النخب الأكاديمية والبحثية، بما يعني ضرب القلب النابض للعقل الفلسطيني.
لقد تجاوز الاحتلال فكرة قصف المباني إلى ما هو أخطر: اغتيال العقول حيث قضى على عشرات من الأكاديميين والباحثين الجامعيين وأخرجهم من دائرة الفعل المعرفي قسراً بالقتل أو الاعتقال، والجامعات نفسها لم تسلم؛ إذ دُمّر 63 مبنى جامعياً بشكل كامل، فيما باتت الدراسة في الضفة محصورة بالكترونياً بسبب الاقتحامات والتخريب الممنهج، هذه الأرقام تعكس أن الهدف ليس تحييد التعليم كخدمة، بل إعدام الرأسمال المعرفي الفلسطيني، وقطع الحبل السُرّي الذي يصل الأجيال بذاكرة أكاديمية متراكمة عبر عقود.د. أميرة فؤاد النحال تكتب: استراتيجية الاحتلال في تصحير التعليم الفلسطيني واغتيال نخبه الأكاديمية
بهذا يتّضح أن الاحتلال لا يكتفي باغتيال الأجساد، بل يمارس اغتيال الوعي الجمعي عبر إعدام نخبه الأكاديمية، فاستهداف الطالب يرمز إلى قتل المستقبل، واستهداف المعلّم إلى قتل الحاضر، أمّا تصفية النخبة الأكاديمية فهو محاولة قتل العقل المؤسِّس لأي مشروع نهضوي فلسطيني، إنها ليست حرباً على الأشخاص فقط، بل حرب على سلسلة المعرفة نفسها، من أول مقعد دراسي حتى آخر بحث جامعي.
حين يقصف الاحتلال مدرسة أو جامعة، فإن الهدف لا يتوقف عند تدمير الجدران والمقاعد، بل يتجاوزها إلى ما يمكن تسميته بـ "تفريغ الذاكرة المؤسسية" للتعليم الفلسطيني، فمنذ السابع من أكتوبر جرى قصف أكثر من 160 مدرسة حكومية في قطاع غزة، إلى جانب 63 مبنى جامعياً، لتتحول فضاءات العلم إلى ركام، ومكتبات المعرفة إلى رماد، والأخطر من ذلك أنّ العدوان أزال 25 مدرسة بكامل طلابها ومعلميها من السجل التعليمي، أي محوها تماماً من الخارطة المؤسسية وكأنها لم تكن.
هذه الأرقام تكشف عن سياسة متعمدة لتجفيف البيئة التعليمية وتحويلها إلى أرض قاحلة، أو ما يمكن وصفه بـ "تصحير التعليم"، إنها محاولة لاجتثاث الإرث التعليمي الذي راكمه الفلسطينيون عبر عقود من التحدي، وتفكيك الرابط بين المكان والذاكرة، بحيث لا يبقى للطالب مدرسة يعود إليها، ولا للمجتمع مؤسسة يستند إليها في إعادة إنتاج المعرفة، وبذلك، يتحقق هدف الاحتلال في جعل التعليم الفلسطيني هشّاً موسمياً ومفتتاً، بدل أن يكون منظومة صلبة تستند إلى الاستمرارية والتراكم.
إذا كان الاحتلال يستهدف المباني والكوادر، فإنّ الأثر الأعمق يتجلى في ما يمكن وصفه بـ "صناعة الأمية القسرية"، فمئات آلاف الأطفال في غزة حُرموا من حقهم في التعليم، وتحولوا من طلاب إلى مشرّدين بلا مقاعد دراسية، مدارس الأونروا التي كانت ملاذاً للتعليم تحولت إلى مراكز إيواء، بينما اختفت من أيدي الأطفال حقائبهم وأقلامهم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة حياة يومية مغمّسة بالنجاة لا بالمعرفة.
الأمية هنا ليست نتيجة إهمال أو فقر، بل نتاج حرب ممنهجة تهدف إلى حرمان المجتمع الفلسطيني من إنتاج العلماء والباحثين، وحين يُقتل الطالب والمعلم معاً ويتحوّل الصف إلى أنقاض، فإن الاحتلال يضمن خلق فراغ معرفي طويل الأمد ينعكس على الأجيال القادمة، إنها جريمة مركبة ضد المستقبل: قتل الإنسان مرتين، مرة بجسده ومرة بعقله.
ما يحدث اليوم في غزة يعيد إلى الأذهان مشهد النكبة الأولى عام 1948، لكن بصيغة جديدة: لم يعد التهجير الجغرافي وحده أداة الاقتلاع، بل أضيف إليه الاقتلاع المعرفي، ويمكن توصيف ما يجري بأنه "نكبة معرفية"، إذ يُستهدف الوعي الفلسطيني ذاته في محاولة لقطع جذور المعرفة من الأرض الفلسطينية.
الأرقام تدل على حجم الكارثة: نحو 193 عالماً وأستاذاً جامعياً وباحثاً استشهدوا خلال 22 شهراً من حرب الإبادة الجماعية، إضافة إلى أكثر من 800 معلم وموظف تربوي، هذا الاستهداف الممنهج للنخب الأكاديمية لا يهدف فقط إلى إضعاف البنية التعليمية، بل إلى إحداث فراغ علمي وثقافي طويل الأمد، كما وصفه مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، إنه فراغ يُراد له أن يُضعف القدرات المؤسسية والوطنية، ويحرم الأجيال القادمة من تراكم الخبرة والمعرفة.
بهذا تتحول الحرب على غزة إلى أكثر من مجرد عدوان عسكري: إنها مشروع إبادة معرفية ممنهجة، تمارس محواً منظماً للوعي، تماماً كما مارست النكبة الأولى محواً جغرافياً وديموغرافياً، الفرق أنّ الاحتلال هذه المرة يستهدف العقل الفلسطيني باعتباره آخر قلاع الصمود التي لم يستطع اقتلاعها بالقوة العسكرية وحدها.
التجربة الفلسطينية أثبتت أنّ التعليم لم يكن يوماً قطاعاً محايداً أو منفصلاً عن مشروع التحرير، بل كان دوماً أحد أعمدة المقاومة، فمنذ النكبة الأولى تعامل الفلسطيني مع الكتاب باعتباره بندقية وعي، ومع الجامعة باعتبارها قلعة صمود، ومع المعلم كمُعِدٍّ لجيلٍ قادر على المواجهة، ولهذا لم يكن غريباً أن يرى الاحتلال في رأس المال المعرفي الفلسطيني تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
فالعالم الذي يُنتج المعرفة قادر على ابتكار أدوات البقاء، والجامعة التي تخرّج جيلاً واعياً قادرة على إنتاج وعي جمعي يصمد أمام محاولات المحو، لذا جاء استهداف 193 عالماً وأستاذاً جامعياً وباحثاً، واغتيال المئات من المعلمين، كجزء من سياسة تفريغ المجتمع من عقوله المنتجة، وتجفيف منابع الوعي المقاوم، فالاحتلال يدرك أنّ العقل المتعلم أخطر من السلاح، لأنه يُنتج أجيالاً متعاقبة من الصمود، بينما الرصاصة عمرها لحظة واحدة.
بعد أكثر من 22 شهراً من حرب الإبادة الجماعية، يقف التعليم الفلسطيني أمام مستقبل معلّق بين الركام والفراغ، فالمدارس المدمّرة والجامعات التي تحوّلت إلى أنقاض، والكوادر الأكاديمية التي أُبيدت أو أُعتقلت، جميعها ترسم مشهداً قاتماً: غزة بلا مدارس حقيقية، وبلا جامعات فاعلة، وبلا نخب تقود المسار المعرفي.
المستقبل إذن لا يواجه أزمة تعليمية فحسب، بل كارثة حضارية؛ لأن المجتمع الذي يُحرَم من التعليم يفقد أدوات إنتاج العلماء والباحثين، ويُدفَع نحو أمّية قسرية مبرمجة، وهنا يتكرّس السؤال الوجودي: كيف يمكن إعادة بناء التعليم في ظل الحصار والقصف، ومن أين يمكن استعادة هذا الرأسمال المعرفي المفقود؟
إنّ إعادة إعمار المدارس والجامعات قد تبدو ممكنة بالحجارة والإسمنت، لكن إعادة إعمار العقول التي أُبيدت أصعب بكثير، ولذلك فإنّ المستقبل المعلّق للتعليم في غزة لن يُحسم بقرار إعمار أو مشروع تمويل دولي، بل بحاجة إلى رؤية فلسطينية وعربية تضع التعليم على رأس أولويات البقاء، باعتباره خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني.
ما يجري في غزّة ليس مجرد تدميرٍ للمدارس والجامعات، ولا هو حصيلة خسائر جانبية كما يحاول الاحتلال أن يروّج؛ إنّه مشروع نكبة معرفية مكتملة الأركان، عنوانها تصحير التعليم واغتيال العقول، فحين يُقتل أكثر من 18 ألف طالب، ويُصفّى ما يقارب ألف معلم وأكاديمي، وتُمحى مدارس وجامعات من السجل التعليمي، فإنّ الهدف يتجاوز قتل الأفراد إلى إعدام الوعي الجمعي وتفكيك الذاكرة الوطنية.
بهذا المعنى، الاحتلال لا يكتفي باغتيال الإنسان الفلسطيني في جسده، بل يسعى لاغتياله في عقله، ليصادر حقّه في إنتاج المعرفة، وليدفعه إلى العيش في أمّية قسرية تُحوّل المجتمع من مُنتِجٍ للعلم إلى مُشرَّدٍ على هامش الحضارة، إنها جريمة مزدوجة: قتل الحاضر واغتيال المستقبل.
غير أنّ التجربة الفلسطينية أثبتت أنّ العقل المقاوم عصيّ على الإبادة؛ فكما لم تُمحَ فلسطين من الخرائط بعد النكبة الأولى، لن تُمحى من الذاكرة بعد النكبة المعرفية الراهنة، فالتعليم في فلسطين لم يكن يوماً خدمة، بل خندق وعي، وكل محاولة لتصحيره ستنبت من رماده أجيال جديدة أكثر إصراراً على حمل القلم كمعادل للبندقية.
الأسئلة الصادمة تبقى مفتوحة: هل يُراد لغزة أن تدخل عصر الأمّية المبرمجة؟ ومن يتحمّل مسؤولية إعادة إعمار المعرفة قبل إعمار الحجر؟ والأهم: هل يدرك العالم أنّ السماح باغتيال العقول الفلسطينية هو شراكة مباشرة في جريمة قتل المستقبل؟









