إسلام الغمري يكتب: في ذكرى إعدام سيد قطب.. لماذا سمّوني إسلام؟

profile
إسلام الغمري الغمري نائب رئيس مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية
  • clock 29 أغسطس 2025, 1:18:02 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

مدخل شخصي

في مثل هذا اليوم من عام 1966، ارتقى المفكر الإسلامي سيد قطب إلى ربه شهيدًا، بعد محاكمة صورية وإعدامٍ جسّد قسوة الاستبداد وخوفه من الكلمة الحرة. ولعلّ القدر شاء أن يكون لهذا الحدث أثر مباشر في حياتي الشخصية؛ فقد وُلدت في العام نفسه، وبعد أقل من شهرين من استشهاده.

كنتُ أسأل والدي يومًا: لماذا اخترتَ لي اسم “إسلام”؟ وكان هذا الاسم آنذاك نادرًا بين أبناء جيلي. فأجابني بكلمات لا تزال حيّة في وجداني: “لأنك وُلدت بعد إعدام سيد قطب بمدة يسيرة، وقد أرادوا بقتله محاربة الإسلام نفسه، فسميتك إسلام رسالة تحدٍ أن الإسلام لا يُهزم”.

سيد قطب والجيل الجديد

هكذا ارتبط ميلادي بذكراه، وصار اسمي شهادة حية على أن الإسلام أقوى من محاولات الخنق والإقصاء. أراد الجلادون أن يُسكتوا صوت سيد قطب، فإذا بأصوات جديدة تتخلق في الأرحام والبيوت، تحمل راية الإسلام من جديد. لقد تحوّل إعدامه إلى ميلادٍ متجدد للفكرة التي حملها، وإلى إيذانٍ بانتقال الكلمة من بين السطور إلى ضمائر الأجيال.

لم يكن سيد قطب مجرد مفكر أعدمته السلطة، بل كان ضميرًا يقظًا رفض أن يبيع عقيدته بثمن بخس. ومن هنا، فإن ذكراه لا تقتصر على جماعة أو تيار، بل هي جزء من تاريخ الأمة الإسلامية في صراعها الطويل مع الاستبداد. إن استشهاده كان إعلانًا أن القيم لا تُعدم، وأن الفكرة لا تُشنق، وأن الإسلام أبقى وأخلد من الطغاة.

من الاستشهاد إلى الحاضر

لقد مرّت عقود على استشهاد سيد قطب، لكنّ صدى كلماته ما زال يتردّد في الوعي الإسلامي، وما زالت معركته مع الاستبداد قائمة بصور جديدة. لقد كان إعدامه محاولة لإرهاب جيل كامل، لكنّ الذي حدث أن جيلًا جديدًا ولد وهو يحمل جذوة المقاومة في قلبه، ويبحث عن الحرية والكرامة.

واليوم، ونحن نواجه طوفانًا من الأزمات السياسية والفكرية والإنسانية، تبقى ذكرى سيد قطب حيّة في الضمير الجمعي، لتذكّرنا أن الإسلام ليس شعارًا يُرفع، بل مشروع حياة متكامل لا يقبل أن يُختزل في دائرة الطغيان أو يُساوم عليه.

الإسلام لا يُهزم

قد تُسجن الدعوة، وقد تُكمَّم الأفواه، وقد تُعدم الرموز، لكن الإسلام لا يُهزم. لأنه ليس فكرة فرد، بل هو دين الله الذي تعهّد بحفظه. وكلّ جيل يولد، يحمل معه بذرة جديدة للمقاومة. من هنا، فإن الرسالة التي أراد والدي أن يغرسها باسمي لا تزال تتردد داخلي: أن الإسلام أكبر من كل مؤامرة، وأن كل محاولة لإخماده تزيده قوة وتجددًا.

الدروس والعِبر

إن إعدام سيد قطب كان – بغير قصد من منفذيه – درسًا للأمة: أن طريق الحرية والإيمان يقتضي ثباتًا على المبدأ مهما كان الثمن. لقد وقف الرجل على حبل المشنقة ثابت الجنان، كأنما أراد أن يترك لنا وصية مكتوبة بدمه: أن القيم أغلى من الحياة، وأن الشهادة ليست نهاية بل بداية أخرى.

رسالة إلى غزة

وفي هذه الذكرى الأليمة، لا يسعني إلا أن أوجّه رسالة أمل وثبات إلى أهلنا في غزة، الذين يخوضون اليوم معركة البقاء في وجه أبشع صور الإبادة والحصار. أنتم الامتداد الحي لمعنى الشهادة الذي جسّده سيد قطب، وأنتم البرهان أن الأمة لا تموت، وأن دماء الشهداء تصنع حياة جديدة.

مهما طال الليل، فإن الفجر آتٍ، ومهما اشتد الحصار، فإن أبواب الحرية ستفتح. إن غزة اليوم تكتب للأمة كلها وصية سيد قطب من جديد: أن الإسلام لا يُهزم، وأن الفكرة لا تموت، وأن الحق – مهما حوصِر – لا بد أن ينتصر.

ختام

في ذكرى استشهاد سيد قطب، أستعيد القصة التي رواها لي والدي عن سبب تسميتي “إسلام”. لقد كان الاسم رسالة تحدٍ للطغيان بأن الإسلام لا يُهزم، وأن أجيالًا جديدة ستنهض لتحمل الراية. وهكذا يبقى التاريخ سلسلة من الميلاد بعد الاستشهاد، ومن الانبعاث بعد القمع.

رحم الله سيد قطب، وأسكنه فسيح جناته، وجعل من ذكراه شعلة متجددة تذكّرنا دومًا أن الإسلام باقٍ، وأن الفكرة لا تموت، وأن الأمة مهما ضعفت ستظل قادرة على النهوض من جديد.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)