-
℃ 11 تركيا
-
30 أغسطس 2025
سميح خلف يكتب: بوتين.. ترامب.. نتنياهو.. وعقلية المناطق الآمنة والاستيلاء
سميح خلف يكتب: بوتين.. ترامب.. نتنياهو.. وعقلية المناطق الآمنة والاستيلاء
-
30 أغسطس 2025, 1:14:08 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
العالم الجديد في تعريف الرئيس الأمريكي ترامب هو ما أفصح عنه بعد لقاءاته مع الرئيس الروسي بوتين، بأن العالم الجديد وبملامحه المطروحة – كما يتخيله ترامب – يتمثل في منطقتين جغرافيتين ذات حساسية استراتيجية: أوكرانيا وعلاقتها بأوروبا، وشرق البحر المتوسط وعمقه إلى آسيا. هذا التصور الأولي للعالم الجديد وتوزيع قواه واستثماراته يعني أنه مبني على القوة في تحقيق السلام كما يتخيله ترامب وبوتين. وهي تلك ملامح السياسة الدولية الجديدة التي تتجاوز الأمم المتحدة وميثاقها ومؤسساتها، وتتجاوز ما أُنشئ من مؤسسات للعدالة مثل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
يخطئ من يتصور أن الاتحاد الروسي، أو روسيا بالذات، قد تعود في برنامجها واستراتيجيتها وأيديولوجيتها إلى الثورة البلشفية في مراحلها المختلفة منذ 1905 وثورتها على القيصر إلى 1917 وثورة العمال (البروليتاريا). فمنذ سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1990 وتفكك جمهوريّاته إلى جمهوريات قطرية تتأرجح بين الاضطراب الفكري أو الانتماء لأوروبا الغربية، من السخف أن يتحدث البعض بأن بوتين ومدفيديف يحملان إرثًا فكريًا للثورة الشيوعية أو الاشتراكية في مراحلها. ومن السخف أن يتصور اليسار العربي هذا التصور الذي ما زال عالقًا لعقود، مفسرين طموحات بوتين بأنه سيعيد إرث الاتحاد السوفيتي. العالم يتغير ويتبدل، ولكن فكرة الإمبريالية تتصاعد بثوب جديد مبني على قوة الفتك العسكري بما يحقق أكبر استفادة لما يعتقدونه "السلام الدولي". فالعقلية الروسية منذ سقوط الاتحاد السوفيتي هي عقلية رأسمالية تصل إلى الإمبريالية بتعريفها التقليدي ولكن بوجه آخر. فلقد أنشأت روسيا شركات أمنية بدلًا من الغزوات المباشرة، مثل الشركة الأمنية "فاغنر" الذي لقي حتفه بعملية روسية أيضًا أثناء الحرب الروسية–الأوكرانية، عندما وصل الأمر بقائد فاغنر إلى تحدي الجيش الروسي وانتقاده العنيف لوزير الدفاع الروسي.
روسيا دولة رأسمالية دولية تحكمها شركات عملاقة كما هي أمريكا، وأشخاص يديرون حركة رأس المال الروسي كما هي أمريكا وأوروبا الغربية. ومنذ عهد ستالين نقلت الكنيسة من كييف إلى موسكو، وهي عقدة الأوكرانيين، كما أصبحت عقدة الروس أيضًا. النظام الرأسمالي في روسيا الاتحادية التي ضمّت بعض دول من بقايا أوروبا الشرقية، منع تداول كتب إنجلز وماركس ولينين، وحتى مذكرات ستالين أصبحت محظورة فكريًا في الدوائر الرسمية والحزبية، بما في ذلك تداول الفكر الماركسي.
لا أريد هنا أن أدخل في موقف روسيا من حروب الشرق الأوسط بدءًا من حملات الهجرة الكبيرة إلى فلسطين واعتراف الاتحاد السوفيتي كأول دولة اعترفت بالكيان، وجاليتها تمثل أكبر الجاليات فيما يُسمى دولة إسرائيل، إلى حرب 1967 وإعطائها غطاءً للضربة الأولى لإسرائيل عندما اتصلت بعبد الناصر ليلة 5 يونيو 1967 بأن إسرائيل لن تكون هي السابقة في ضربة البداية. هذا البلاغ كان بعد الساعة الثانية عشرة ليلًا، بينما كان الهجوم الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن الساعة السادسة وخمس دقائق صباحًا. هذا موجز من التاريخ فقط لهذه الأحداث.
أما موقف روسيا من اجتياح العراق والربيع العربي، فعندما صوّتت للتدخل الدولي في ليبيا، ثم ما حدث في سوريا، فهو الكارثة الكبرى على قاعدة تقاسم النفوذ بينها وبين أمريكا. فقد تكون سوريا هي ضحية تسويات في أوكرانيا، وهذا ما ثبتت صحته في هذه الأيام، وجعل سوريا منطقة مفتوحة لإسرائيل كما هي لبنان. التآمر على سوريا كان ثلاثي الأبعاد: روسيا، تركيا، إسرائيل، والمايسترو بمشاركة أمريكية.
نقطة الاستثمار كانت بؤرتها أوكرانيا بالنسبة لروسيا وأمريكا أيضًا. فما زالت أمريكا – بنفس السياسة القديمة الجديدة – تحاول إضعاف أوروبا، وهي وجهة النظر والموقف الروسي أيضًا. فسبق لأمريكا وروسيا أن دعمتا خروج أوروبا من منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الثورات العربية.
المنطق الجديد في الأزمة الروسية–الأوكرانية قد يكون مشابهًا تكتيكيًا واستراتيجيًا للعقلية الإسرائيلية، بمعتدليها ومتطرفيها، وهي فكرة التوسع تحت غطاء ومبرر "المناطق الآمنة". هي تلك الأطماع التوسعية التي تعتمد على القوة المسلحة وبمبررات ديموغرافية وتاريخية كما يدّعون. فرغم موقفي الحاد من النظام السياسي في أوكرانيا بقيادة اليهودي الصهيوني زيلينسكي – هذا الممثل الكوميدي البارع الذي أصبح رئيسًا والذي أتى بثورة مدعومة من الغرب على نظام قطري كان مدعومًا من روسيا – إلا أن الاستراتيجية الروسية في غزو أوكرانيا أتت تحت مبرر الانضمام لحلف الناتو. في حين أن برلين تحتضن على أرضها أكثر من 6 أو 7 قواعد نووية مجاورة لروسيا، فقد اعتبرت روسيا أن خط أمنها القومي هو عدم وجود حلف الناتو في أوكرانيا التي تفصل بينها وبين بولندا، حيث يتواجد الحلف.
في العلوم العسكرية أصبح الجيل السادس من الحروب لا يعتمد على قوة المشاة، فهي حرب قد تصل إلى استخدام الفضاء الخارجي. روسيا تضع مبررًا ديموغرافيًا أيضًا من عهد ستالين باضطهاد النظام الأوكراني للثقافة الروسية وللهوية الروسية في شرق أوكرانيا. ولكن في الحقيقة هو التوسع كما يقولون "بالحزام الأمني"، وكما تدعي إسرائيل باستيلائها على جنوب سوريا ووصولها إلى ضواحي دمشق ودعم الأقليات كمكون أمني يحمي حدودها كما صرّح نتنياهو. وكذلك الحال في جنوب لبنان حتى شمال الليطاني، في مخالفة للقرار الدولي 1701، وحتى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير.
الحدود الآمنة التي يتحدث عنها بوتين – باختلاف الجغرافيا – هي نفس الحدود "الآمنة والتاريخية" التي تدّعيها إسرائيل بملكيتها ليهودا والسامرة في كل فلسطين. أما السلوك العسكري والأمني فهو بنفس الكيف والمقدار والمعدلات: من صواريخ وقنابل فتاكة تُستخدم في غزة ولبنان وسوريا، كما تُستخدم في كييف وكل أراضي أوكرانيا. فهي تحصد عشرات الآلاف من المدنيين أطفالًا وشيوخًا وليس مقاتلين فقط. ولكن باختلاف واحد: تجد أن أوكرانيا يدعمها الغرب بالأسلحة والمال، أما في فلسطين فوقف العالم كله صامتًا – بما فيها دول الإقليم – ليُذبح الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون واليمنيون.
العقلية واحدة في العالم الجديد، والسلوك واحد، والضحايا هم الإنسان وحقوق العيش الكريم للشعوب، تحت ادعاء تحقيق السلام بالقوة. وكما قلت: في الحقيقة هو بعد أمني لتحقيق بعد اقتصادي في عالم القوة والاحتكار بوجه إمبريالي صارخ. فأوكرانيا بتاريخها هي قاعدة للعلماء، وخاصة في الأسلحة التكنولوجية والنووية، وهي تمتلك ثروات من المعادن المختلفة، وهي محل أطماع بوتين وترامب وائتلاف لإخراج أوروبا من اللعبة. أما في فلسطين والشرق العربي، فهو المكان الساخن على البحر المتوسط والذي يمتلك إمكانيات في الطاقة والزراعة، إضافة إلى الممرات البحرية والتاريخية الهامة. فليس غريبًا أن تكون غزة هي القطعة التي يحلم بها المقاول ورجل العقارات ترامب، وهي أيضًا محل إغراء لرؤوس الأموال الدولية بما تمتلكه من غاز ومخططات لمنتجعات عالمية. أما الضفة الغربية، فهي ما يحلم به الإسرائيليون اليهود بتاريخ يتحدثون عنه، حتى لو كان باطلًا، وعمق تاريخي من الصراع وغزوات الغرب نحو الشرق وانكسارها في فلسطين وسوريا.
هذا هو العالم الجديد بقيادة ترامب وبوتين، ويمكن في المستقبل أن نجد تحالفًا آخر بحيث يحكم الثلاثي العالم: أمريكا الترامبية، روسيا، الصين. ويمكن أن نفرد مقالًا آخر حول الصين، فليس هناك متسع في هذا المقال. ولكن من الواضح أن السلوك الأمريكي–الروسي في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا سيكون فوق العدالة البشرية. إنه عالم القوة المنظّم على حساب الشعوب الضعيفة.**
سميح خلف







